صديق الحسيني القنوجي البخاري

192

فتح البيان في مقاصد القرآن

أنها آلهة أو بنات اللّه كما رد بما قبله على النصارى الزاعمين ذلك المقصود خطابهم . وقد استدل بهذا القائلون بتفضيل الملائكة على الأنبياء ، وقرر صاحب الكشاف وجه الدلالة بما لا يسمن ولا يغني من جوع ، وادعى أن الذوق قاض بذلك ، ونعم الذوق العربي إذا خالطه محبة المذهب ، وشابه شوائب الجمود كان هكذا . وكلّ من يفهم لغة العرب يعلم أنّ من قال : لا يأنف من هذه المقالة إمام ولا مأموم أو لا كبير ولا صغير أو لا جليل ولا حقير لم يدل هذا على أن المعطوف أعظم شأنا من المعطوف عليه ، وعلى كل حال فما أبرد الاشتغال بهذه المسألة وما أقل فائدتها وما أبعدها عن أن تكون مركزا من المراكز الدينية وجسرا من الجسور الشرعية . وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ أي يأنف تكبرا ويعد نفسه كبيرا على العبادة فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً المستنكف وغيره فيجازي كلا بعمله ، لا يملكون لأنفسهم شيئا ، وترك ذكر غير المستنكف هنا لدلالة أول الكلام عليه ولكون الحشر لكلا الطائفتين . فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ أي ثواب أعمالهم من غير أن يفوتهم منها شيء وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، أي على وجه التفصيل وإحاطة العلم بها ، وإلا فسائر نعيم الجنان يخطر على قلوبنا ونسمعه من السنة لكن على وجه الإجمال . وأخرج ابن المنذر وغيره بسند ضعيف عن ابن مسعود قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : أجورهم يدخلهم الجنة ويزيدهم من فضله الشفاعة فيمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا ، وقد ساقه ابن كثير في تفسيره ثم قال هذا إسناد لا يثبت وإذا روي عن ابن مسعود موقوفا فهو جيد . وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا عن عبادته فَيُعَذِّبُهُمْ بسبب استنكافهم واستكبارهم عَذاباً أَلِيماً هو عذاب النار وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا يواليهم وَلا نَصِيراً ينصرهم . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 174 إلى 175 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ( 174 ) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 175 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب للكافة قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ بما أنزله عليكم من كتبه وبمن أرسله إليكم من رسله ، وما نصبه لهم من المعجزات . والبرهان ما يبرهن به على المطلوب ، قال قتادة : البرهان البينة ؛ وقال مجاهد : الحجة وقيل محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم والتقدير كائن من ربكم أو من براهين ربكم ، وقيل من لابتداء الغاية .